عثمان بن جني ( ابن جني )

360

الخصائص

عليه منشده ذلك البيت ببيت العجّاج عرف الخليل حجّته فترك مراجعته ، وقطع الحكاية على هذا الموضع يكاد يقطع بانقطاع الخليل عنده ، ولا ينكر أن يسبق الخليل إلى القول بشئ فيكون فيه تعقّب له فينبّه عليه فينتبه . وقد يجوز أيضا أن يكون الأصمعىّ سمع من الخليل في هذا من قبوله أو ردّه على المحتجّ به ما لم يحكه للخليل بن أسد ، لا سيّما والأصمعىّ ليس مما ينشط للمقاييس ، ولا لحكاية التعليل . نعم ، وقد يجوز أن يكون الخليل أيضا أمسك عن شرح الحال في ذلك ، وما قاله لمنشده البيت من تصحيح قوله ، أو إفساده ، للأصمعىّ لمعرفته بقلّة انبعاثه في النظر وتوفّره على ما يروى ويحفظ . وتؤكد هذا عندك الحكاية عنه وعن الأصمعىّ ، وقد كان أراده الأصمعىّ على أن يعلّمه العروض فتعذّر ذلك على الأصمعىّ وبعد عنه ؛ فيئس الخليل منه فقال له يوما : يا أبا سعيد ، كيف تقطّع قول الشاعر : إذا لم تستطع شيئا فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيع " 1 " قال : فعلم الأصمعىّ أن الخليل قد تأذّى ببعده عن علم العروض فلم يعاوده فيه . ووجه غير هذا ، وهو ألطف من جميع ما جرى وأصنعه وأغمضه ؛ وذلك أن يكون الخليل إنما أنكر ذلك لأنه بناه ( ممّا ) لامه حرف حلقىّ ، والعرب لم تبن هذا المثال مما لامه أحد حروف الحلق ، إنما هو مما لامه حرف فموىّ ، وذلك نحو اقعنسس ، واسحنكك ، واكلندد " 2 " ، واعفنجج " 3 " . فلمّا قال الرجل للخليل ( فارفنععا ) أنكر ذلك من حيث أرينا . فإن قيل : وليس ترك العرب أن تبنى هذا المثال مما لامه حرف حلقىّ ، بمانع أحدا من بنائه من ذلك ؛ ألا ترى أنه ليس كلّ ما يجوز في القياس يخرج به

--> ( 1 ) البيت لعمرو بن معد يكرب في ديوانه ص 145 ، وتاج العروس ( زمع ) ، ( طوع ) ، ( ودع ) ، والأصمعيات ص 175 ويروى ( أمرا ) مكان ( شيئا ) . ( 2 ) اكلندد : اشتدّ وتقبّض . وانظر اللسان ( كلد ) . ( 3 ) اعفنجج الرجل : خرق ، والعفنجج : الأحمق ، الجافي الخلق . اللسان ( عفج ) .